الأحد، 1 نوفمبر 2026
مصر | قانون وحكومة
1 نوفمبر السيسي يوجه بخطة زمنية لتفعيل مخرجات «منتدى مصر» — شبكة تواصل الإخبارية 1 نوفمبر برلماني: الاستثمار في عقول الشباب هو الرهان الرابح لمستقبل مصر والتنمية — صدى البلد 1 نوفمبر برعاية الرئيس السيسي.. مصر تستعد لحدث برلماني عربي هو الأول من نوعه — أهل مصر 1 نوفمبر برلماني: توجيهات الرئيس السيسي بشأن مخرجات منتدى مصر تُعزز كفاءة الإنفاق العام — صدى البلد 1 نوفمبر برلمانية: توجيهات فخامة الرئيس تضع بناء الإنسان واكتشاف النوابغ أولويات — اليوم السابع 1 نوفمبر سحر صدقي: إطلاق فخامة الرئيس السيسي النسخة السادسة من احتفالية إعادة الإعمار يعكس ريادة مصر في دعم السلام والاستقرار بأفريقيا — برلمانى 1 نوفمبر تحت رعاية الرئيس السيسي.. مدبولي يتابع ترتيبات استضافة مصر للنسخة الأولى من "منتدى البرلمانيين الشباب العرب" — صدى البلد 1 نوفمبر مصر 2030 والكتابة من المستقبل «2»: العدالة بكل وجوهها.. عدالة الدخل والفرصة والقانون — dostor.org 1 نوفمبر مجلس الوزراء يقر نظاما معدلا لنظام الشمول بتأمينات المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي — الوكيل الإخباري 1 نوفمبر الكاتب الصحفي عادل السنهوري: تمكين الشباب يحظى باهتمام الرئيس السيسي منذ عام 2014 — الوطن 1 نوفمبر تنفيذ توصيات منتدى مصر 2026 تحت أعين المواطن.. نواب وأحزاب يشيدون بتوجيهات فخامة الرئيس السيسي للحكومة بتنفيذ توصيات منتدى مصر 2026 وفقا لمؤشرات… — برلمانى 1 نوفمبر وزير الخارجية: الرئيس السيسي أكد أكثر من مرة أن الدعم المصري للسعودية «دفاعي» — المصري اليوم 1 نوفمبر برلماني: توجيهات الرئيس بشأن منتدى مصر 2026 تضع آليات واضحة لمتابعة تنفيذ التوصيات — جريدة المال 1 نوفمبر قرارات مجلس الوزراء اليوم الأحد — الوكيل الإخباري 1 نوفمبر الرئيس السيسي يتلقى اتصالًا هاتفيًا من نظيره العراقي لبحث تعزيز العلاقات الثنائية وتطورات المنطقة — شبكة تواصل الإخبارية 1 نوفمبر برلمانية: توجيهات الرئيس السيسي بعد منتدى 2026 ترسم مسارًا جديدًا للاستثمار في الإنسان واكتشاف المواهب — صدى البلد 1 نوفمبر حزب مصر القومي: توجيهات فخامة الرئيس بشأن منتدى مصر تنقل الحوار إلى التنفيذ — اليوم السابع 1 نوفمبر القضاء والإخوان.. معركة العدالة وطيور الظلام «4» — الأسبوع 1 نوفمبر الرئيس السيسي يؤكد دعم مصر الراسخ لأمن واستقرار العراق وتعزيز التعاون المشترك — صدى البلد 1 نوفمبر ناجي الشهابي: توجيهات فخامة الرئيس لتحويل مخرجات منتدى مصر 2026 لبرامج عمل خطوة مهمة — اليوم السابع
آخر ما نُشر
أبحاث قانونية

إدارةُ موقعٍ إلكترونيٍّ دونَ ترخيصٍ في القانونِ المصريِّ

MAHMOUD قراءة في 15 دقائق

الأنشطةُ الخاضعةُ للترخيصِ، والعقوباتُ المقرَّرةُ، وإشكالاتُ التطبيقِ في ضوءِ قضيّةِ “مدى مصر”

بقلم المستشار/ محمود عبد الله سلامة
المحامي بالنقض والدستورية العليا


تمهيدٌ

لَمْ يَعُدِ الموقعُ الإلكترونيُّ في زمانِنا هذا مجرَّدَ صفحةٍ يُنشِئُها صاحبُها ثُمَّ ينصرفُ عنها؛ بَلْ صارَ منبرًا يُخاطِبُ الملايينَ، ووسيلةً تُنافِسُ الصحيفةَ والقناةَ في التأثيرِ والانتشارِ، ومِنْ ثَمَّ لَمْ يَكُنْ عجيبًا أَنْ يَمُدَّ المشرِّعُ المصريُّ يَدَ التنظيمِ إليه، فيُخضِعَهُ -في أحوالٍ بعينِها- لنظامِ الترخيصِ المسبَقِ، ويُرتِّبَ على مخالفتِهِ جزاءاتٍ إداريّةً وجنائيّةً بالغةَ الشِّدّةِ.

ولقد عادَ هذا الموضوعُ إلى صدارةِ الاهتمامِ العامِّ في السابعِ والعشرينَ مِنْ أكتوبرَ سنةَ 2026، حينَ قضَتِ الدائرةُ التاسعةُ بمحكمةِ جُنَحِ القاهرةِ الجديدةِ في القضيّةِ رقمِ 11743 لسنةِ 2026 بتغريمِ رئيسةِ تحريرِ موقعِ “مدى مصر” ثلاثةَ ملايينِ جنيهٍ، وهو الحدُّ الأقصى للغرامةِ، معَ غلقِ الموقعِ ومصادرةِ أجهزتِهِ، بتهمةِ إدارةِ موقعٍ إلكترونيٍّ دونَ ترخيصٍ(1)؛ فانقسمَ الرأيُ بينَ مَنْ يرى في الحكمِ تطبيقًا مجرَّدًا لنصٍّ صريحٍ، ومَنْ يرى فيهِ إخلالًا بضماناتِ الدفاعِ، وخلطًا بينَ نزاعٍ إداريٍّ حولَ الترخيصِ وبينَ المسؤوليّةِ الجنائيّةِ.

ومِنْ هنا نقولُ إنَّ الحاجةَ ماسّةٌ إلى بيانِ الأحكامِ التي تحكُمُ هذهِ المسألةَ بيانًا هادئًا بعيدًا عن صخبِ الجدلِ؛ فنَعرِضُ للإطارِ التشريعيِّ ومفهومِ الموقعِ الإلكترونيِّ الخاضعِ للترخيصِ، ثُمَّ للأنشطةِ التي يَلزَمُها الترخيصُ وشروطِهِ وإجراءاتِهِ، ثُمَّ للعقوباتِ والتدابيرِ المقرَّرةِ، ونختِمُ ببعضِ الإشكالاتِ التطبيقيّةِ التي أثارَتْها القضيّةُ المشارُ إليها.

أوّلًا: الإطارُ التشريعيُّ ومفهومُ الموقعِ الإلكترونيِّ

وجديرٌ بالبيانِ أنَّ الشريعةَ العامّةَ لهذا الموضوعِ هي قانونُ تنظيمِ الصحافةِ والإعلامِ والمجلسِ الأعلى لتنظيمِ الإعلامِ الصادرُ بالقانونِ رقمِ 180 لسنةِ 2018، الذي قرَّرَتِ المادّةُ الأُولى مِنْ موادِّ إصدارِهِ سريانَ أحكامِهِ “على جميع الكيانات والمؤسسات والوسائل الصحفية والإعلامية والمواقع الإلكترونية”، واستثنَتْ مِنْ ذلكَ “الموقع أو الوسيلة أو الحساب الإلكتروني الشخصي ما لم ينص القانون المرافق على خلاف ذلك”(2)، ثُمَّ صدرَتْ لائحتُهُ التنفيذيّةُ بقرارِ رئيسِ مجلسِ الوزراءِ رقمِ 418 لسنةِ 2020(3).

ولقد عرَّفَتِ المادّةُ الأُولى مِنَ القانونِ الموقعَ الإلكترونيَّ، حيثُ نصَّتْ على أنَّهُ: “الصفحة أو الرابط أو التطبيق الإلكتروني المرخص له والذي يقدم من خلاله محتوى صحفي أو إعلامي أو إعلاني نصيا كان أو سمعيا أو مرئيا ثابتا أو متحركا أو متعدد الوسائط، ويصدر باسم معين، وله عنوان ونطاق إلكتروني محدد، وينشأ أو يستضاف أو يتم النفاذ إليه من خلال شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت)”(4).

ويُستفادُ مِنْ هذا التعريفِ أنَّ العِبرةَ في الخضوعِ للترخيصِ ليسَتْ بالشكلِ التقنيِّ للوسيلةِ؛ فيستوي أَنْ تكونَ صفحةً أو رابطًا أو تطبيقًا على الهاتفِ، وإنّما العِبرةُ بطبيعةِ النشاطِ الذي تؤدِّيهِ، وهو تقديمُ محتوًى صحفيٍّ أو إعلاميٍّ أو إعلانيٍّ، أيًّا كانَتْ صورتُهُ نصًّا أو صوتًا أو صورةً؛ ولذلكَ فإنَّ الموقعَ التعريفيَّ لشركةٍ تجاريّةٍ أو لمكتبِ محاماةٍ، الذي يقتصرُ على بيانِ نشاطِ صاحبِهِ ووسائلِ التواصلِ معهُ، لا يدخلُ -في تقديرِنا- في مفهومِ الموقعِ الإلكترونيِّ بالمعنى الذي قصدَهُ القانونُ، ما لَمْ يتحوَّلْ إلى منصّةٍ لنشرِ الأخبارِ أو تقديمِ محتوًى إعلاميٍّ للجمهورِ؛ ويبقى الأمرُ محلَّ نظرٍ في المواقعِ التي تُقدِّمُ خدماتٍ إعلانيّةً للغيرِ، لاتِّساعِ عبارةِ “إعلاني” الواردةِ في التعريفِ.

ثانيًا: الأنشطةُ التي يَلزَمُها الترخيصُ

نصَّتِ المادّةُ السادسةُ على أنَّهُ: “لا يجوز تأسيس مواقع إلكترونية في جمهورية مصر العربية، أو إدارتها، أو إدارة مكاتب أو فروع لمواقع إلكترونية تعمل من خارج الجمهورية، إلا بعد الحصول على ترخيص بذلك من المجلس الأعلى وفق الضوابط والشروط التي يضعها في هذا الشأن”(5)، وأكَّدَتِ المادّةُ التاسعةُ والخمسونَ هذا الحكمَ، فقرَّرَتْ أنَّهُ “لا يجوز إنشاء أو تشغيل أي وسيلة إعلامية، أو موقع إلكتروني، أو الإعلان عن ذلك، قبل الحصول على ترخيص من المجلس الأعلى”(6)؛ فالحظرُ يَطالُ التأسيسَ والإدارةَ والتشغيلَ، بلْ يَطالُ مجرَّدَ الإعلانِ عن الموقعِ قبلَ ترخيصِهِ.

ومِنْ جِماعِ هذهِ النصوصِ يمكنُ أَنْ نُجمِلَ الأنشطةَ الخاضعةَ للترخيصِ؛ فأوَّلُها وأظهرُها المواقعُ الإخباريّةُ والصحفيّةُ التي تنشرُ الأخبارَ والتقاريرَ والمقالاتِ للجمهورِ بصفةٍ منتظمةٍ، وهي التي قصدَها المشرِّعُ ابتداءً، ويَلحَقُ بها الصحفُ الإلكترونيّةُ، وقد عرَّفَ القانونُ الصحيفةَ بأنَّها “كل إصدار ورقي أو إلكتروني، يتولى مسئولية تحريره أو بثه صحفيون نقابيون”(7). وثانيها المحطّاتُ والقنواتُ التليفزيونيّةُ والإذاعيّةُ الإلكترونيّةُ أو الرقميّةُ التي تبثُّ على الموقعِ الإلكترونيِّ، وقدِ اشترطَ القانونُ في الشركةِ المرخَّصِ لها بها رأسَ مالٍ لا يقلُّ عن “اثنين ونصف مليون جنيه للمحطة أو القناة التليفزيونية الإلكترونية أو الرقمية على الموقع الإلكتروني”(8). وثالثُها المواقعُ التي تُقدِّمُ الخدماتِ الإعلاميّةَ أو الإعلانيّةَ التجاريّةَ الإلكترونيّةَ، وقد عرَّفَها القانونُ بأنَّها “المحتوى المتضمن الترويج للأعمال أو الخدمات أو المنتجات أو الأشخاص من خلال شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت)”(9). ورابعُها مكاتبُ المواقعِ الأجنبيّةِ وفروعُها العاملةُ داخلَ مصرَ، إذْ نصَّتِ المادّةُ السادسةُ صراحةً على أنَّ إدارتَها لا تجوزُ إلّا بترخيصٍ. وخامسُها منصّاتُ البثِّ التدفُّقيِّ للمحتوى المرئيِّ، فقد أعلنَ المجلسُ الأعلى لتنظيمِ الإعلامِ في سبتمبرَ سنةَ 2022 عزمَهُ إصدارَ قواعدَ تنظيميّةٍ وتراخيصَ لمنصّاتِ المحتوى الإلكترونيِّ مثلَ “نتفليكس” و”ديزني”، تشملُ التزامَها بالأعرافِ والقيمِ المجتمعيّةِ(10).

ومِنَ الجديرِ بالذكرِ أنَّ الحسابَ أو الموقعَ أو المدوَّنةَ الشخصيّةَ لا تخضعُ للترخيصِ بحسبِ الأصلِ، عملًا بالاستثناءِ الواردِ في المادّةِ الأُولى مِنْ موادِّ الإصدارِ، غيرَ أنَّ المشرِّعَ لَمْ يتركْها بلا ضابطٍ؛ فقد حظرَتِ المادّةُ التاسعةَ عشرةَ نشرَ الأخبارِ الكاذبةِ وما يدعو إلى العنفِ أو الكراهيةِ أو يتضمَّنُ سبًّا أو قذفًا، ثُمَّ نصَّتْ على أَنْ “يلتزم بأحكام الفقرة السابقة كل موقع إلكتروني شخصي أو مدونة إلكترونية شخصية أو حساب إلكتروني شخصي، يبلغ عدد متابعيه خمسة آلاف متابع أو أكثر”، وأجازَتْ للمجلسِ الأعلى “وقف أو حجب الموقع أو المدونة أو الحساب المشار إليه بقرار منه”(11). ولمّا كانَ الحالُ كذلكَ، فإنَّ الحسابَ الشخصيَّ الذي يتجاوزُ هذا العددَ مِنَ المتابعينَ لا يَلزَمُهُ ترخيصٌ، ولكنَّهُ يخضعُ للالتزاماتِ الموضوعيّةِ ولسلطةِ الحجبِ؛ والفرقُ بينَ الأمرينِ جوهريٌّ، إذْ إنَّ العقوبةَ الجسيمةَ المقرَّرةَ لإدارةِ موقعٍ دونَ ترخيصٍ لا تنصرفُ إليهِ.

ولا يقفُ الأمرُ عندَ ترخيصِ المجلسِ الأعلى لتنظيمِ الإعلامِ؛ فقد يحتاجُ الموقعُ الإلكترونيُّ إلى تراخيصَ أُخرى بحسبِ طبيعةِ نشاطِهِ، ومِنْ مثالِ ذلكَ أنَّ المادّةَ التاسعةَ والخمسينَ نفسَها قد صدَّرَتْ حكمَها بعبارةِ “مع عدم الإخلال باختصاص الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في إصدار تراخيص إنشاء أو تشغيل شبكات الاتصالات أو تقديم خدمات الاتصالات”(12)؛ ومِنْهُ كذلكَ أنَّ قانونَ حمايةِ البياناتِ الشخصيّةِ رقمَ 151 لسنةِ 2020 أوجبَ على المتحكِّمِ والمعالِجِ الحصولَ على ترخيصٍ أو تصريحٍ مِنْ مركزِ حمايةِ البياناتِ الشخصيّةِ لمعالجةِ البياناتِ، وجعلَ مِنِ اختصاصِ المركزِ إصدارَ التراخيصِ والتصاريحِ لأنشطةِ التسويقِ الإلكترونيِّ المباشرِ(13)؛ فالموقعُ الذي يجمعُ بياناتِ عملائِهِ ويُراسِلُهُم بالعروضِ التسويقيّةِ يدخلُ في نطاقِ هذا القانونِ، ولو لَمْ يَكُنْ موقعًا إعلاميًّا.

ثالثًا: شروطُ الترخيصِ وإجراءاتُهُ

ولقد وضعَ القانونُ لترخيصِ المواقعِ جملةً مِنَ الشروطِ؛ فاشترطَتِ المادّةُ الحاديةُ والأربعونَ “أن يكون لكل صحيفة أو موقع إلكتروني رئيس تحرير مسئول يشرف إشرافا فعليا على ما ينشر بها، وعدد من المحررين المسئولين”، وقرَّرَتْ أنَّهُ “لا يجوز إصدار الصحيفة أو إنشاء الموقع الإلكتروني قبل استيفاء كامل بيانات الإخطار”(14)؛ واشترطَتِ المادّةُ الخمسونَ فيمَنْ يتملَّكُ موقعًا إلكترونيًّا أو يساهمُ في ملكيّتِهِ “ألا يكون محروما من مباشرة حقوقه السياسية، وألا يكون قد صدر ضده حكم في جناية، أو في جنحة مخلة بالشرف أو الأمانة، ما لم يكن قد رد إليه اعتباره”(15)؛ وحدَّدَتِ المادّةُ الخامسةُ والثلاثونَ رأسَ مالِ الصحيفةِ الإلكترونيّةِ بمائةِ ألفِ جنيهٍ على الأقلِّ(16).

وأمّا عنِ الإجراءاتِ، فقد نصَّتِ المادّةُ الستّونَ على أَنْ يُقدَّمَ الطلبُ إلى المجلسِ الأعلى على النماذجِ التي يضعُها، وأَنْ “يبت المجلس في الطلب في مدة لا تجاوز تسعين يوما من تاريخ استيفاء الطلب، وذلك مقابل رسم لا يجاوز مائتين وخمسين ألف جنيه للوسيلة الإعلامية وخمسين ألف جنيه للموقع الإلكتروني”(17)، وجعلَتِ المادّةُ الحاديةُ والستّونَ “مدة الترخيص خمس سنوات، ويجوز تجديده بناء على طلب يقدمه المرخص له إلى المجلس الأعلى قبل ستة أشهر من انتهائه”(18).

وحيثُ إنَّ النصَّ قد ربطَ ميعادَ التسعينَ يومًا بتاريخِ “استيفاء الطلب” لا بتاريخِ تقديمِهِ، فإنَّ أوَّلَ ما ينبغي على طالبِ الترخيصِ أَنْ يحرصَ عليهِ هو إثباتُ استيفاءِ أوراقِهِ إثباتًا قاطعًا؛ لأنَّ الخلافَ حولَ هذا الاستيفاءِ هو الذي يحسِمُ -في الغالبِ- مآلَ النزاعِ، سواءٌ أمامَ القضاءِ الإداريِّ أو أمامَ المحكمةِ الجنائيّةِ.

رابعًا: العقوباتُ والتدابيرُ المقرَّرةُ

ولقد جاءَتِ العقوبةُ الأصليّةُ في المادّةِ الخامسةِ بعدَ المائةِ، حيثُ نصَّتْ على أنَّهُ: “يعاقب بغرامة لا تقل عن مليون جنيه ولا تزيد على 3 ملايين جنيه كل من خالف أحكام المواد 6 و41 و59 و67 من هذا القانون، وتقضى المحكمة فضلا عن ذلك بالغلق ومصادرة المعدات والأجهزة ومكوناتها التى استعملت فى ارتكاب الجريمة. وتضاعف الغرامة فى حديها الأدنى والأقصى فى حالة العودة”(19).

ويُلاحَظُ على هذا النصِّ أمورٌ ثلاثةٌ؛ أوَّلُها أنَّ العقوبةَ المقرَّرةَ هي الغرامةُ وحدَها دونَ الحبسِ، فالجريمةُ -بحسبِ هذا النصِّ- جُنحةٌ معاقَبٌ عليها بالغرامةِ؛ وثانيها أنَّ الغلقَ والمصادرةَ وجوبيّانِ لا تملكُ المحكمةُ الإعفاءَ منهما متى قضَتْ بالإدانةِ، وهو ما يُستفادُ مِنْ عبارةِ “وتقضى المحكمة فضلا عن ذلك”؛ وثالثُها أنَّ العقوبةَ تشملُ مخالفةَ المادّةِ الحاديةِ والأربعينَ، فيقعُ تحتَ طائلتِها مَنْ يُنشِئُ الموقعَ قبلَ استيفاءِ بياناتِ الإخطارِ، أو يُديرُهُ بغيرِ رئيسِ تحريرٍ مسؤولٍ، ولو كانَ حاصلًا على الترخيصِ.

وإلى جانبِ العقوبةِ الجنائيّةِ منحَ القانونُ المجلسَ الأعلى سلطاتٍ إداريّةً مستقلّةً، إذْ نصَّتِ الفقرةُ الثانيةُ مِنَ المادّةِ السادسةِ على أنَّهُ: “ومع عدم الإخلال بالعقوبات الجنائية المقررة، للمجلس الأعلى في حالة مخالفة أحكام الفقرة السابقة اتخاذ الإجراءات اللازمة بما في ذلك إلغاء الترخيص، أو وقف نشاط الموقع أو حجبه، في حالة عدم الحصول على ترخيص سار”، ثُمَّ قرَّرَتِ الفقرةُ الثالثةُ أنَّ “لذوي الشأن الطعن على القرار الصادر بذلك أمام محكمة القضاء الإداري”(20).

ولا يُغفَلُ في هذا المقامِ أنَّ قانونَ مكافحةِ جرائمِ تقنيّةِ المعلوماتِ رقمَ 175 لسنةِ 2018 قد تضمَّنَ نصوصًا تتّصلُ بإدارةِ المواقعِ، وإنْ كانَتْ لا تتعلَّقُ بالترخيصِ ذاتِهِ، بلْ بالغرضِ مِنَ الموقعِ أو بإساءةِ استعمالِهِ؛ ومِنْ ذلكَ المادّةُ السابعةُ والعشرونَ التي تُعاقِبُ “بالحبس مدة لا تقل عن سنتين وبغرامة لا تقل عن مائة ألف جنيه، ولا تزيد على ثلاثمائة ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من أنشأ أو أدار أو استخدم موقعا أو حسابا خاصا على شبكة معلوماتية يهدف إلى ارتكاب أو تسهيل ارتكاب جريمة معاقب عليها قانونا”(21)، والمادّةُ التاسعةُ والعشرونَ التي تُعاقِبُ المسؤولَ عن إدارةِ الموقعِ إذا عرَّضَهُ لإحدى الجرائمِ المنصوصِ عليها في ذلكَ القانونِ عمدًا، أو تسبَّبَ بإهمالِهِ في تعرُّضِهِ لها بعدمِ اتِّخاذِ التدابيرِ التأمينيّةِ الواردةِ في لائحتِهِ التنفيذيّةِ(22)، فضلًا عنِ المادّةِ السابعةِ التي تُجيزُ لجهةِ التحقيقِ المختصّةِ أَنْ تأمرَ بحجبِ الموقعِ متى قامَتْ أدلّةٌ على أنَّهُ يبثُّ ما يُعَدُّ جريمةً مِنْ جرائمِ ذلكَ القانونِ ويُشكِّلُ تهديدًا للأمنِ القوميِّ(23).

وعلى ذلكَ فإنَّ مجرَّدَ إدارةِ موقعٍ دونَ ترخيصٍ لا يُعَدُّ -في ذاتِهِ- جريمةً وفقَ المادّةِ السابعةِ والعشرينَ المشارِ إليها؛ لأنَّها تشترطُ أَنْ يكونَ الموقعُ قد أُنشِئَ أو أُديرَ بهدفِ ارتكابِ جريمةٍ أو تسهيلِها، وهو قصدٌ خاصٌّ يقعُ على سلطةِ الاتّهامِ عِبءُ إثباتِهِ، ولا يُفترَضُ افتراضًا مِنْ مجرَّدِ انعدامِ الترخيصِ.

خامسًا: إشكالاتٌ تطبيقيّةٌ في ضوءِ قضيّةِ “مدى مصر”

ولقد كشفَتِ القضيّةُ المشارُ إليها في صدرِ هذا المقالِ عن إشكالاتٍ حقيقيّةٍ في تطبيقِ هذهِ النصوصِ، يحسُنُ عرضُها بحيادٍ، دونَ قطعٍ بصحّةِ الحكمِ أو خطئِهِ، إذْ لا يزالُ قابلًا للطعنِ عليهِ بطرقِ الطعنِ المقرَّرةِ.

فأوَّلُ هذهِ الإشكالاتِ أثرُ سكوتِ المجلسِ الأعلى عنِ البتِّ في طلبِ الترخيصِ؛ فقد تمسَّكَ الدفاعُ بأنَّ الموقعَ تقدَّمَ بطلباتِ ترخيصٍ في عامَيْ 2018 و2020 ولَمْ يتلقَّ ردًّا، وبأنَّهُ لَمْ يعلمْ بالرفضِ إلّا عن طريقِ النيابةِ العامّةِ(24)، في حينِ قامَ الجانبُ الآخرُ على أنَّ رئيسةَ التحريرِ وقَّعَتْ باستلامِ قرارِ الرفضِ في الثاني عشرَ مِنْ أكتوبرَ سنةَ 2022، وأنَّ القضاءَ الإداريَّ أيَّدَ قرارَ الرفضِ في سنةِ 2023 لعدمِ إثباتِ تسجيلِ العلامةِ التجاريّةِ(25). ويرى المؤيِّدونَ للحكمِ أنَّ الجريمةَ تقعُ بمجرَّدِ التأسيسِ أو الإدارةِ دونَ ترخيصٍ سارٍ، وأنَّ نصَّ المادّةِ السادسةِ لَمْ يجعلْ مِنْ تقديمِ الطلبِ أو مِنْ سكوتِ الإدارةِ سببًا للإباحةِ، وأنَّ قولَ المتّهمةِ أمامَ المحكمةِ إنَّها قدَّمَتِ الطلبَ ولَمْ يُرَدَّ عليها يتضمَّنُ إقرارًا بعملِ الموقعِ دونَ ترخيصٍ؛ ويختلفُ معَ هذا الرأيِ مَنْ يرى أنَّ المشرِّعَ ألزمَ المجلسَ بالبتِّ خلالَ تسعينَ يومًا، فلا يصحُّ أَنْ يُحاسَبَ الطالبُ جنائيًّا على تقاعُسِ الإدارةِ عن واجبٍ فرضَهُ القانونُ عليها.

وثانيها المفاضلةُ بينَ الطريقِ الإداريِّ والطريقِ الجنائيِّ؛ فقد قدَّمَتْ نقابةُ الصحفيّينَ مذكّرةً استندَتْ فيها إلى المادّةِ الثانيةَ عشرةَ مِنَ اللائحةِ التنفيذيّةِ للقانونِ والمادّةِ السادسةَ عشرةَ مِنْ لائحةِ التراخيصِ، ورأَتْ أنَّ عدمَ الردِّ على طلبِ الترخيصِ مخالفةٌ إجرائيّةٌ، وأنَّ الطريقَ القانونيَّ للنزاعِ هو الطعنُ أمامَ القضاءِ الإداريِّ لا الملاحقةُ الجنائيّةُ(26). ويُرَدُّ على ذلكَ بأنَّ المادّةَ السادسةَ نفسَها قد جمعَتْ بينَ الطريقينِ حينَ قرَّرَتْ سلطةَ المجلسِ في الحجبِ والوقفِ “مع عدم الإخلال بالعقوبات الجنائية المقررة”، فلا تعارضَ -بحسبِ هذا الرأيِ- بينَ المسؤوليّتينِ، ولكلٍّ منهما مجالُها.

وثالثُها البُعدُ الدستوريُّ للمسألةِ؛ إذْ نصَّتِ المادّةُ السبعونَ مِنَ الدستورِ على أنَّ “حرية الصحافة والطباعة والنشر الورقي والمرئي والمسموع والإلكتروني مكفولة”، وعلى أَنْ “تصدر الصحف بمجرد الإخطار على النحو الذي ينظمه القانون”، وأحالَتْ إلى القانونِ تنظيمَ “إجراءات إنشاء وتملك محطات البث الإذاعي والمرئي والصحف الإلكترونية”، ونصَّتِ المادّةُ الحاديةُ والسبعونَ على أنَّهُ “يحظر بأي وجه فرض رقابة على الصحف ووسائل الإعلام المصرية أو مصادرتها أو وقفها أو إغلاقها”(27). ومِنْ هنا يرى جانبٌ أنَّ الغلقَ الوجوبيَّ المقرَّرَ في المادّةِ الخامسةِ بعدَ المائةِ يصطدمُ بهذا الحظرِ الدستوريِّ، وهو ما أعلنَ الدفاعُ عزمَهُ على إثارتِهِ بالدفعِ بعدمِ الدستوريّةِ(28)؛ وخالفَهُ في ذلكَ مَنْ يرى أنَّ الدستورَ نفسَهُ أحالَ إلى القانونِ تنظيمَ إنشاءِ الصحفِ الإلكترونيّةِ، فأخرجَها مِنْ نطاقِ الإصدارِ بمجرَّدِ الإخطارِ، وأنَّ الحظرَ الواردَ في المادّةِ الحاديةِ والسبعينَ ينصرفُ إلى الوسائلِ القائمةِ وفقًا للقانونِ، لا إلى ما يعملُ دونَ ترخيصٍ. وتبقى الكلمةُ الفصلُ في ذلكَ للمحكمةِ الدستوريّةِ العليا إنِ اتّصلَتْ بها الدعوى اتّصالًا صحيحًا.

ورابعُها ضماناتُ حقِّ الدفاعِ؛ فقد صدرَ الحكمُ في أُولى جلساتِ المحاكمةِ، بعدَ أَنْ رفضَتِ المحكمةُ طلبَ الدفاعِ التأجيلَ للاطّلاعِ وإعدادِ المرافعةِ، وطلباتِهِ بضمِّ ملفِّ الترخيصِ وأصلِ قرارِ الرفضِ وسماعِ شهودٍ مِنَ المجلسِ الأعلى، ورأَتْ أنَّ القضيّةَ “بسيطة” لا تحتاجُ إلى تأجيلٍ(29). ومِنَ المقرَّرِ أنَّ محكمةَ الموضوعِ غيرُ ملزَمةٍ بإجابةِ طلبِ التأجيلِ أو التحقيقِ متى رأَتْ أنَّ الواقعةَ قد وضحَتْ لديها، غيرَ أنَّ ذلكَ مشروطٌ بألّا يكونَ الطلبُ جوهريًّا؛ فإذا كانَ الطلبُ متعلِّقًا بتحقيقِ دفاعٍ قد يتغيَّرُ بهِ وجهُ الرأيِ في الدعوى -كتحديدِ تاريخِ العلمِ بقرارِ الرفضِ، وما إذا كانَ الطلبُ قد استُوفِيَ- كانَ على المحكمةِ أَنْ تُجيبَهُ أو تردَّ عليهِ ردًّا سائغًا، وإلّا شابَ حكمَها الإخلالُ بحقِّ الدفاعِ والقصورُ في التسبيبِ.

خاتمةٌ

وخلاصةُ القولِ أنَّ المشرِّعَ المصريَّ قد أخضعَ كلَّ موقعٍ يُقدِّمُ محتوًى صحفيًّا أو إعلاميًّا أو إعلانيًّا للجمهورِ لترخيصٍ مسبَقٍ مِنَ المجلسِ الأعلى لتنظيمِ الإعلامِ، وأعفى الحساباتِ والمواقعَ الشخصيّةَ مِنَ الترخيصِ معَ إخضاعِ ما بلغَ منها خمسةَ آلافِ متابعٍ للالتزاماتِ الموضوعيّةِ، ورتَّبَ على المخالفةِ غرامةً تتراوحُ بينَ مليونِ جنيهٍ وثلاثةِ ملايينَ تتضاعفُ في حالةِ العَوْدِ، معَ الغلقِ والمصادرةِ وجوبًا، فضلًا عن سلطةِ المجلسِ في الحجبِ والوقفِ.

ولذلكَ فإنّا ننصحُ كلَّ مَنْ يعتزمُ إنشاءَ موقعٍ إلكترونيٍّ ذي طبيعةٍ إخباريّةٍ أو إعلاميّةٍ أو إعلانيّةٍ أَنْ يتقدَّمَ بطلبِ الترخيصِ قبلَ بدءِ النشاطِ لا بعدَهُ، وأَنْ يحتفظَ بما يُثبِتُ تاريخَ تقديمِ الطلبِ واستيفاءَ مستنداتِهِ، وأَنْ يتابعَ مآلَهُ كتابةً؛ فإنْ صدرَ قرارٌ بالرفضِ بادرَ إلى الطعنِ عليهِ أمامَ محكمةِ القضاءِ الإداريِّ في الميعادِ، وأوقفَ النشاطَ إلى أَنْ يُفصَلَ في طعنِهِ؛ إذْ إنَّ الاستمرارَ في الإدارةِ بعدَ العلمِ بالرفضِ هو -في الغالبِ- ما يُقيمُ الركنَ المعنويَّ للجريمةِ ويُسقِطُ حُجّةَ حُسنِ النيّةِ. واللهُ وليُّ التوفيقِ.


الهوامش

(1) وقائع الحكم كما نشرتها المواقع الإخبارية بتاريخ 27 أكتوبر 2026.

(2) قانون تنظيم الصحافة والإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام الصادر بالقانون رقم 180 لسنة 2018؛ الجريدة الرسمية، العدد 34 مكرر (هـ)، 27 أغسطس 2018؛ المادة الأولى من مواد الإصدار.

(3) قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 418 لسنة 2020 بإصدار اللائحة التنفيذية لقانون تنظيم الصحافة والإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام.

(4) القانون رقم 180 لسنة 2018 المشار إليه؛ المادة 1.

(5) القانون رقم 180 لسنة 2018 المشار إليه؛ المادة 6/1.

(6) القانون رقم 180 لسنة 2018 المشار إليه؛ المادة 59.

(7) القانون رقم 180 لسنة 2018 المشار إليه؛ المادة 1.

(8) القانون رقم 180 لسنة 2018 المشار إليه؛ المادة 54.

(9) القانون رقم 180 لسنة 2018 المشار إليه؛ المادة 1.

(10) وفق ما نشرته المواقع الإخبارية بتاريخ 8 سبتمبر 2022.

(11) القانون رقم 180 لسنة 2018 المشار إليه؛ المادة 19، والمادة الأولى من مواد الإصدار.

(12) القانون رقم 180 لسنة 2018 المشار إليه؛ المادة 59.

(13) قانون حماية البيانات الشخصية الصادر بالقانون رقم 151 لسنة 2020؛ المواد 4 و5 و26.

(14) القانون رقم 180 لسنة 2018 المشار إليه؛ المادة 41.

(15) القانون رقم 180 لسنة 2018 المشار إليه؛ المادة 50.

(16) القانون رقم 180 لسنة 2018 المشار إليه؛ المادة 35.

(17) القانون رقم 180 لسنة 2018 المشار إليه؛ المادة 60.

(18) القانون رقم 180 لسنة 2018 المشار إليه؛ المادة 61.

(19) القانون رقم 180 لسنة 2018 المشار إليه؛ المادة 105.

(20) القانون رقم 180 لسنة 2018 المشار إليه؛ المادة 6/2 و6/3.

(21) قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات الصادر بالقانون رقم 175 لسنة 2018 بتاريخ 14 أغسطس 2018؛ المادة 27.

(22) القانون رقم 175 لسنة 2018 المشار إليه؛ المادة 29.

(23) القانون رقم 175 لسنة 2018 المشار إليه؛ المادة 7.

(24) وفق ما نشرته المواقع الإخبارية عن جلسة 27 أكتوبر 2026.

(25) السابق.

(26) السابق.

(27) دستور جمهورية مصر العربية الصادر سنة 2014؛ المادتان 70 و71.

(28) وفق ما نشرته المواقع الإخبارية بتاريخ 27 أكتوبر 2026.

(29) السابق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *