الآن أرتكب حماقةً من حماقاتي،أكتب لك في عصرٍ لا يقرأ فيه أحد، ولا يقدر أحدٌ قيمة الكلمة، ولا يدرك أحدٌ خطورتها ومداها فائق الوصول، ودورها الهام في سلب أو جلب الحقوق، فلا تزال الكلمة أحد من شفرة الحلاقة التي أخشى أن ينسيك إياها تأخرك على جلسة أو استعجالك رزقك.
وحماقتي ليست في أنني أكتب إليك، بل أنني أكتب لك بالعربية الفصحى في غير “هريٍ” أصبح هو الشاغل الأكبر للناس والورقة الرابحة ظاهريًا.
اللغة سلاح المحامي وميزان هيبته
لا تستغربْ حينَ أقولُ أنَّ الكتابةَ بالفصحى حماقةٌ، فقدْ قلتُ لكَ ما يقولُ الجهلاءُ لأستفزَّ غيرتَكَ الفطريَّةَ على اللغةِ، فنحنُ في عصرِ “الدهلكةِ” و”مهرجاناتِ” السوقةِ، و (أبِّجْني تجدْني).
فعندمَا أتحدثُ لأحدهِمْ بلسانٍ عربيٍّ فصيحٍ، أجدُهُ لا يفهمُ معظمَ ما أقولُ، محتاجًا لترجمان ليفسرَ لهُ مفرداتِي. والمصيبةُ أنَّ العكسَ هو الصحيحُ، فالأحمقُ هو المحامي الذي لا يملكُ من اللغةِ أبعدَ مِنْ أرنبةِ أنفِهِ من بابِ (الف أرنب وباء بطة)، الذي لا يعرفُ الفرق بين “الله” و”اللاة” ويظنُّ أنَّ عاميَّتَهُ لغةٌ ذكيَّةٌ، وكأنَّهُ يتباسطُ مع المحكمةِ، مدعيًا لنفسِهِ التفوُّقَ في الفهمِ؛ وسرعانَ ما يقعُ فريسةً لـ (لازمة) “النهاردا يا ريس” ويكرِّرُهَا أكثرَ من كلماتِ مرافعتِهِ، وينحني بكاملِ التقزُّمِ وهو يقولُ “تعلَّمْنَا في محرابِ عدالتِكُمْ” وهذهِ الجملةِ مِنْ أشدِّ الدلائلِ على فقرٍ علميٍّ ولغويٍ وانعدامِ تقديرٍ للقيمةِ التي اكسبتْهُ المحاماةُ.
اللغة المنطوقة… أداة الدفاع الأولى
فالمحامي القديرُ هو الذي يمتلكُ أدواتِ الدفاعِ، وعلى رأسِهَا اللغةُ؛ وأقصدُ باللغةِ عمومِ اللغةِ بشكليهَا المنطوقِ وغيرِ المنطوقِ؛ ولا أقصدُ بغيرِ المنطوقِ الكتابَةِ، فهي منطوقَةٌ، وإنَّمَا أقصدُ لغةَ الجسدِ، الحركةَ والسكونَ، التعبيرَ والتفاعلَ، والتي سأتناولُها في مقالٍ آخر.
أما الآنَ فموضوعي هو اللغةُ المنطوقةُ، والتي يجبُ، بل لِزَامًا على المحامي أن يتحدثَ بها مترافعًا، عالمًا بالنحوِ والصرفِ، ضليعًا بالإعرابِ، بليغًا في مقالِهِ، يعرفُ ماذا يقالُ، ومتى يقالُ، ولمنْ يقالُ، والمهمُّ أن يعرفَ كيفَ يُقالُ.
العامية في المرافعة.. ضعفٌ لا بساطة
إنَّهُ لمنَ المُحْزِنِ والمُخْزِي أنْ تكونَ مرافعةُ المحامي بالعاميَّةِ الصِّرْفَةِ، فلا يتحدثُ إلَّا بلغةِ الشارعِ، والتي بطبيعةِ الحالِ تؤثِّرُ على لغةِ جسدِهِ، فتكونُ مرافعةً غيرَ راقيةٍ؛ وأنا أبدًا لا أستبعدُ العاميَّةَ تمامًا في مرافعةِ المحامِي، فقدْ تكونُ لازمةً في بعضِ المواضِعِ التي تحتاجُ لرشاقةِ اللفظِ، أو جملةٍ اعتراضيَّةٍ خفيفةٍ.
ولا أدعوك زميلي أبدًا إلى استخدامِ اللغةِ العربيَّةِ القُحَّةِ، المُوْغِلَةِ في الغريبِ منَ التركيبِ، أو شاعريَّةِ اللفظِ بإفراطٍ يصرفُ انتباهَ المحكمةِ أو يخرجُ عن سياقِ اللغةِ القانونيةِ، بل أدعو إلى لغةٍ منضبطةٍ، متزنةٍ، سليمةٍ، معبرَةٍ عن القصدِ، وموافقةٍ لهُ، فلا تنصبِ المرفوعَ، ولا ترفعِ المجرورَ، ولا تجرِّ المنصوبَ، ولا تعمَدْ إلى تسكينِ الكلماتِ كُلِّهَا، هروبًا من صعبِ نُطْقِهَا، بل تمرَّنْ وتمرَّنْ وتمرَّنْ.