الأحد، 11 أكتوبر 2026
مصر | قانون وحكومة
11 أكتوبر وزير العدل: بناء منظومة تتوافق مع الاتجاهات الحديثة في التحول الرقمي .. تدشين موقع الجريدة الرسمية والبوابة القانونية — صحيفة العرب القطرية 11 أكتوبر نص البيان المشترك بين مصر وماليزيا — بوابة الأهرام 11 أكتوبر بيان مشترك بين مصر وماليزيا بعد زيارة الرئيس السيسي.. ورفع العلاقات إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية — مبتدا 11 أكتوبر خلال مؤتمر صحفى مشترك مع نظيره الإندونيسى الرئيس: تشجيع الشركات الإندونيسية لزيادة استثماراتها فى مصر — بوابة الأهرام 11 أكتوبر خبير علاقات دولية: زيارات الرئيس السيسى لآسيا تدعم الاستثمار والتنمية فى مصر — اليوم السابع 11 أكتوبر أحدث أخبار مصر والعالم — ekhbary24.com 11 أكتوبر عضو بمجلس الشئون الخارجية: العلاقات المصرية الإندونيسية ستشهد طفرة كبيرة اقتصاديا وسياسيا — بوابة الشروق 11 أكتوبر بعد جولة الرئيس السيسي.. تامر أمين: التعاون مع الدول الآسيوية يصب في مصلحة مصر مليار في المية — بوابة الشروق 11 أكتوبر نشأت الديهي: مياه النيل خط أحمر.. وصبر مصر نفد أمام تعنت إثيوبيا — المصري اليوم 11 أكتوبر نشأت الديهي: رسائل الرئيس السيسي حول الحقوق المائية تحمل دلالات واضحة.. ومياه النيل خط أحمر — الوطن 11 أكتوبر اتهامات باستغلال نزلاء السجون في مصر.. والداخلية ترد ببيان رسمي — شبكة تواصل الإخبارية 11 أكتوبر اقتصادية الشيوخ: نمو 5.4% يفتح الطريق أمام التصنيع وزيادة الصادرات المصرية — الجمهور الإخباري 11 أكتوبر آفاق جديدة للاستثمار والتنمية.. برلماني يعدد نتائج زيارة الرئيس السيسي لإندونيسيا — صدى البلد 11 أكتوبر سحر صدقي: الجولة الآسيوية للرئيس السيسي تفتح آفاقًا جديدة للاستثمار والتنمية وتعزز مكانة مصر الدولية — برلمانى 11 أكتوبر محمد الخولي: جولة الرئيس الآسيوية تعزز مكانة مصر السياسية والاقتصادية — بوابة روز اليوسف 11 أكتوبر وجدي زين الدين: جولة السيسي الآسيوية تعزز مكانة مصر في مجالات التنمية والتصنيع — بوابة أخبار اليوم الإلكترونية 11 أكتوبر الموقع الرئاسي ينشر فيديو حول زيارة الرئيس السيسي لماليزيا — بوابة الأهرام 11 أكتوبر البرهان يتسلم أوراق اعتماد ياسر عبد الرحمن سفيرًا لمصر في السودان — الأسبوع 11 أكتوبر صدور مرسوم بقانون بشأن التمويل العقاري لمستحقي الرعاية السكنية — شبكة سرمد الإعلامية 11 أكتوبر برلماني: جولة الرئيس السيسي الآسيوية تفتح آفاقًا جديدة للشراكة الاقتصادية وتعزز مكانة مصر الدولية — صدى البلد
آخر ما نُشر
المحاماة

المحاماة مظهرًا وجوهرًا

MAHMOUD قراءة في 5 دقائق

المحاماة بين المظهر والجوهر

المحاماةُ مهنةٌ قديمةٌ عريقةٌ، لمْ تنشأْ بالأمسِ القريبِ، ولمْ تكنْ يومًا مجردَ وظيفةٍ يمارسُها المحامي لكسبِ الرزقِ أو تحقيق العيشِ؛ بل هي رسالةٌ ساميَةٌ، وعباءةُ وقارٍ، ودرعُ شرفٍ، يحملُهُ من اختارَ أنْ يسيرَ في دربِهَا.

إنها حِرفَةُ العقلِ والضميرِ، وصوتُ الحقِّ في وجْهِ الباطلِ، ولسانُ العدالةِ حينَ تُكمَّمُ الأفواهُ؛ ومن ثمَّ، فإنَّهَا ليستْ شأنًا خاصًّا بأصحابِهَا وحدَهُمْ، وإنَّمَا شأنٌ عامٌّ يخصُّ المجتمعَ بأسرِهِ، لأنَّ المحاماةُ -وإن كانتْ نيابةً عن الغيرِ بمعنى نيابةٍ عن الفردِ- إلا أنَّهَا في جوهرِهَا دفاعٌ عنِ الحقوقِ والحريَّات، وتُنافِحُ عن المظلومينَ، ويقفُ المحامي حصنًا منيعًا ضدَ تعسُّفِ السلطةِ، أو طغيانِ الخصمِ.

ولأنَّ المحاماةَ رسالةٌ، وليستْ مجرَّدَ مهنةٍ، فإنَّهَا تحملُ على عاتِقِهَا أبعادًا أخلاقيَّةً وسلوكيَّةً، تجعلُ منَ الْمحامِي مرآةً تعكسُ صورةَ العدالةِ أمامَ الناسِ.

ولعلَّ أولَ ما تقعُ عليهِ العيونُ حينَ يلتقي الناسُ بالمحامِي ليسَ فصاحتَهُ ولا مذكراتِهِ، وإنَّمَا مظهرُهُ، وهيئتُهُ، وسلوكُهُ الظاهرُ؛ فالمظهرُ – في ميزانِ المحاماةِ – ليس شكلًا عابرًا، أو سماتٍ جوفاءَ، وإنَّمَا هو جزءٌ منْ كيانِ المحامي، وصورةٌ صادقةٌ عنْ شخصيةِ صاحبِهِ، ودليلٌ على مقدارِ ما يحملُهُ منْ وقارٍ وهيبةٍ.

المظهر ليس زينة وإنما شهادة

وقدْ تعلمْنا على أيدي شيوخِ هذهِ المهنةِ الأجلَّاءِ، وعلى رأسِهِم الفقيهُ الأستاذُ رجائي عطية نقيبُ رحمَهُ اللهُ- أنَّهُ حينَ يدخلُ المحامي قاعةَ المحكمةِ، فإنه يدخلُ محرابًا للعدلِ، وتلتفتُ إليهِ الأبصارُ قبلَ أن يصدَحَ بمرافعةٍ، أو يتلو دفوعًا.

الناسُ تنظرُ إليهِ منْ بعيدٍ، تقيسُهُ أولًّا بهندامِهِ، بوقفتِهِ، بطريقةِ جلوسِهِ، على النحوِ الذي يعكسُ احترامَهُ لذاتِهِ ومكانتِهِ؛ فكيفَ لمن لا يحترمُ نفسَهُ ومهنتَهُ أن يحترمَ الآخرينَ وقضاياهُمْ.

إنَّ ارتداءَ المحامي لزيِّهِ المهندمِ ليسَ مجردَ تقليدٍ مهنيٍّ، بل هو شهادةٌ غيرُ منطوقةٍ تُعلنُ عَنْ مكانَتِهِ وجدِّيَّتِهِ، وعنْ إيمانِه بِرسالتِهِ. فالمظهرُ هُنَا يصبحُ خطابًا صامتًا، يسبقُ كلماتُ المحامِي، ويضعَهُ في موضعِ الاحترامِ، قبلَ أنْ ينطقُ حرفًا واحدًا.

والكلامُ يأتي بعدَ المظهرِ ليُصَدِّقَهُ، أو ليبيِّنَ أن صاحِبَهُ لا يملكُ غيرَهُ، وكأنَّهُ تمثالَ عرضٍ (مانيكَان) فيتضحُ فراغُهُ، وتتكشَّفُ سريرَتَهُ. وقد قالتِ الحكمةُ “تكلَّمْ حتى أعرِفَكَ.

ومما نستدلُّ عليهِ من تصديقِ أو تكذيبِ الجوهرُ للمظهرِ فإن كذَّبَهُ لم يعدْ إلا صورةً كاذبَةً، ما رُويَ عنْ أبي حنيفَةِ في مجلسٍ من مجالسِهِ، حيثُ سَئَلَهُ أحدُ الحاضرينَ عنِ الصائمِ يأكلُ ويشربُ ويطأُ إلى اطلاعِ الفجرِ، وكانَ عندَهُ رجلٌ نبيلٌ مهيبُ المنظرِ عطرُ الرائحَةِ حسنُ الثيابِ فاخِرُها، فقالَ: أرأيتَ إنْ طلعَ الفجرُ نصفَ الليلِ؟ فقال أبو حنيفةَ لَهُ: الزمِ الصَّمْتَ يا أعرَجُ.

الجوهر هو الأصل والمظهر بوابته

فكما تبيَّنَ لحضرتكمْ، المظهرُ وحدُهُ لا يكفي، وإلا أصبحَ المحامي صورةً خاويةً بلا مضمونٍ. فالجوهرُ هو الأصلُ، وهو ما يملُكُهُ المحامي مِنْ علمٍ ومعرفةٍ، وما يكتنزُهُ منْ خبرةٍ وتجاربٍ، وما يتحلَّى بهِ مِنْ مبادئَ وقيمٍ. ولكنْ على الرغمِ مِنْ أصالةِ الجوهرِ، فإنَّ المظهرَ يظلُّ بوابَتَهُ الأولى.

ولقد تردَّدَ على أسماعِنا الحكمةُ الغربيَّةُ القائلةُ أنَّ “الانطباعَاتُ الأولى تدومُ”. ;كما قدْ أظهرتْ الدراساتُ أنَّ الإنسانَ يُكوِّنُ رأيًا عَنِ الشخصِ الذي يقابلُهُ لأولِ مرةٍ خلالَ الثواني السبعِ الأولَى، ويظلُّ هذا الانطباعُ مؤثرًا في تقييمِهِ لهُ لاحقًا، حتَّى وإنْ تغيَّرَتِ المعطياتُ.

وقد تبنَّتْ شركاتُ العلاقاتِ العامَّةِ هذا الشعارَ “You never get a second chance to make a first impression.” أي “لنْ تحصلَ أبدًا على فرصةٍ ثانيةً لصنعِ انطباعٍ أولٍ”

وإنها لحقيقةٌ أنَّ الناسَ قد تنفرُ منْ صورةٍ مهملةٍ، قبلَ أنْ يمنحوا صاحبَهَا فرصةً للحديثِ، بينمَا المظهرُ المهندمُ يُمَهِّدُ الطريقَ أمامَ المحامي، ليفتحَ أبوابَ العقولَ بعد أنْ تنفتحَ أبوابَ القلوبِ؛ فإنَّ المحامي الذي يُهْمِلُ مظهرَهُ يُعرِّضُ رسالتَهُ لعدمِ المبالاةِ، مهمَا بلغَ علمُهُ أو سَمَتْ حُجَّتَهُ.

والواقعُ أنَّ احترامَ المظهرِ يعكسُ احترامًا للمهنةِ ذاتِهَا، تلكَ التي محمَّلٌ على عاتِقِهَا شرفُ الدفاعِ عن الحقوقِ وصونِ الحريَّاتِ.

المحاماة بين الوقار والسلوك

وقد أخطأَ من ظنَّ أنَّ المظهرَ وحدَهُ فيما يرتديهِ الإنسانُ فقط، فإنَّ المظهرَ يمتَدُ إلى السلوكِ والسمتِ. وما عُرفَ المظهرُ بهذا اللفظِ إلا لشمولِهِ كلَّ ما يظهرُ على الأشياءِ أو منها، فكلُّ ظاهرٍ من شكلٍ او سلوكٍ هو مظهرُ، والجوهرُ لفظٌ يعبِّرُ عن كلِّ مكنونٍ، كالعلمِ والمعرفةِ والمشاعرِ والأفكارِ، وهناكَ جوهرٌ ثابتٌ، وكذلك من الجوهرِ ما هو متغيِّرٌ.

فطريقةُ حديثِ المحامي، أسلوبُهُ في المخاطبةِ، نبرةُ صوتِهِ، وضبطُ انفعالاتِهِ، كلُّهَا جزءٌ منَ المظهرِ العامِّ؛ واعلمْ -كرَّمَكَ اللهُ- أن الوقارَ لا يُشترَى ولا يُكتسبُ منْ خارِجِ الذاتِ، بل ينبعُ منَ الداخلِ، منَ اقتناعِ المحامي بأنَّهُ صاحبُ رسالةٍ قبلَ أن يكونَ صاحبَ قضيةٍ.

إنَّ المحامي الحقَّ هو الذي يُمسكُ بزمامِ نفسِهِ فلا ينزلقُ إلى لغوٍ أو جدلٍ غيرَ محمودٍ، ولا يسمحُ لمشاعِرِهِ أنْ تسيطرَ على منطقِهِ؛ وعلى المحامي أنْ يعلمَ أنَّ الوقارَ في السلوكِ هو الوجهُ الآخرَ للمظهرِ، وهما معًا يصنعانِ الهيبةِ التي تليقُ برجلِ العدلِ.

التلازم بين المظهر والجوهر

ومن الجديرِ بالذكرِ قبلَ الختامِ أن نبيِّنَ أنَّ المظهرَ والجوهرَ في المحاماةِ توأمانِ لا ينفصلانِ، يكملُ أحدُهُمَا الآخرَ؛ فالجوهرُ يُعطي القيمةَ، والمظهرُ يُمهِّد لها السبيلَ. الجوهرُ يهبُ المحامي العلمَ والفكرَ والحجَّةَ، والمظهرُ يمنحُهُ الاحترامَ والمهابَةَ؛ فإذا اجتمعَ الاثنانِ اكتملتْ للمحامي أدواتُهُ، وارتقى برسالتِهِ، وأدَّى الأمانةَ التي أقسمَ أنْ يحملَهَا.

أما إذا تخلَّفَ أحدُهُمَا، فصارا منفصلين أو متضادينِ، فإنَّ صورةَ المحامي تهتزُ اهتزازًا كزلزالٍ لا يقيمُ لهُ وزنًا بينَ جماعاتِ الناسِ وأمامَ آحادِهمْ؛ فالعلمُ بلا وقارٍ قد يُلقى في آذانٍ أصمَّها أصحابُهَا عمدًا، والوقارُ بلا علمٍ لا يُغني عن ضعفِ الحجةِ ولا عن فراغِ العقلِ.

ومن هُنا، فإن على المحامي أن يوازنَ دائمًا بين العنايةِ بجوهرِهِ ومظهرِهِ معًا، فيُغذِّي العقلَ بالمعرفةِ، ويُهذّبَ النفسَ بالأخلاقِ، ويهتمَّ بمظهرِهِ بما يليقُ بالمهنةِ ورسالتِهَا.

وختامًا

ن قولُ إنَّ المحاماةَ ليستْ أزياءً تُرتدى ثم تُخلعُ، وليستْ كلماتٍ تُقالُ ثم تُنسى، وإنَّمَا هي عهدٌ معَ الضميرِ، وعقدٌ مع العدالةِ؛ والمظهرُ فيها ليسَ ترفًا شكليًّا، وإنَّمَا هو جزءٌ لا يتجزأُ من الرسالةِ، ووسيلةٌ من وسائلِ صونِ مكانتِهَا؛ فإذا جمعَ المحامي بينَ عمقِ الجوهرِ وسموِّ المظهرِ، كان رسولَ عدلٍ بحقٍ، وصوتَ حقٍ لا يعلوهُ صوتٌ.