والكلامُ يأتي بعدَ المظهرِ ليُصَدِّقَهُ، أو ليبيِّنَ أن صاحِبَهُ لا يملكُ غيرَهُ، وكأنَّهُ تمثالَ عرضٍ (مانيكَان) فيتضحُ فراغُهُ، وتتكشَّفُ سريرَتَهُ. وقد قالتِ الحكمةُ “تكلَّمْ حتى أعرِفَكَ.
ومما نستدلُّ عليهِ من تصديقِ أو تكذيبِ الجوهرُ للمظهرِ فإن كذَّبَهُ لم يعدْ إلا صورةً كاذبَةً، ما رُويَ عنْ أبي حنيفَةِ في مجلسٍ من مجالسِهِ، حيثُ سَئَلَهُ أحدُ الحاضرينَ عنِ الصائمِ يأكلُ ويشربُ ويطأُ إلى اطلاعِ الفجرِ، وكانَ عندَهُ رجلٌ نبيلٌ مهيبُ المنظرِ عطرُ الرائحَةِ حسنُ الثيابِ فاخِرُها، فقالَ: أرأيتَ إنْ طلعَ الفجرُ نصفَ الليلِ؟ فقال أبو حنيفةَ لَهُ: الزمِ الصَّمْتَ يا أعرَجُ.
الجوهر هو الأصل والمظهر بوابته
فكما تبيَّنَ لحضرتكمْ، المظهرُ وحدُهُ لا يكفي، وإلا أصبحَ المحامي صورةً خاويةً بلا مضمونٍ. فالجوهرُ هو الأصلُ، وهو ما يملُكُهُ المحامي مِنْ علمٍ ومعرفةٍ، وما يكتنزُهُ منْ خبرةٍ وتجاربٍ، وما يتحلَّى بهِ مِنْ مبادئَ وقيمٍ. ولكنْ على الرغمِ مِنْ أصالةِ الجوهرِ، فإنَّ المظهرَ يظلُّ بوابَتَهُ الأولى.
ولقد تردَّدَ على أسماعِنا الحكمةُ الغربيَّةُ القائلةُ أنَّ “الانطباعَاتُ الأولى تدومُ”. ;كما قدْ أظهرتْ الدراساتُ أنَّ الإنسانَ يُكوِّنُ رأيًا عَنِ الشخصِ الذي يقابلُهُ لأولِ مرةٍ خلالَ الثواني السبعِ الأولَى، ويظلُّ هذا الانطباعُ مؤثرًا في تقييمِهِ لهُ لاحقًا، حتَّى وإنْ تغيَّرَتِ المعطياتُ.
وقد تبنَّتْ شركاتُ العلاقاتِ العامَّةِ هذا الشعارَ “You never get a second chance to make a first impression.” أي “لنْ تحصلَ أبدًا على فرصةٍ ثانيةً لصنعِ انطباعٍ أولٍ”
والواقعُ أنَّ احترامَ المظهرِ يعكسُ احترامًا للمهنةِ ذاتِهَا، تلكَ التي محمَّلٌ على عاتِقِهَا شرفُ الدفاعِ عن الحقوقِ وصونِ الحريَّاتِ.
المحاماة بين الوقار والسلوك
وقد أخطأَ من ظنَّ أنَّ المظهرَ وحدَهُ فيما يرتديهِ الإنسانُ فقط، فإنَّ المظهرَ يمتَدُ إلى السلوكِ والسمتِ. وما عُرفَ المظهرُ بهذا اللفظِ إلا لشمولِهِ كلَّ ما يظهرُ على الأشياءِ أو منها، فكلُّ ظاهرٍ من شكلٍ او سلوكٍ هو مظهرُ، والجوهرُ لفظٌ يعبِّرُ عن كلِّ مكنونٍ، كالعلمِ والمعرفةِ والمشاعرِ والأفكارِ، وهناكَ جوهرٌ ثابتٌ، وكذلك من الجوهرِ ما هو متغيِّرٌ.
فطريقةُ حديثِ المحامي، أسلوبُهُ في المخاطبةِ، نبرةُ صوتِهِ، وضبطُ انفعالاتِهِ، كلُّهَا جزءٌ منَ المظهرِ العامِّ؛ واعلمْ -كرَّمَكَ اللهُ- أن الوقارَ لا يُشترَى ولا يُكتسبُ منْ خارِجِ الذاتِ، بل ينبعُ منَ الداخلِ، منَ اقتناعِ المحامي بأنَّهُ صاحبُ رسالةٍ قبلَ أن يكونَ صاحبَ قضيةٍ.
إنَّ المحامي الحقَّ هو الذي يُمسكُ بزمامِ نفسِهِ فلا ينزلقُ إلى لغوٍ أو جدلٍ غيرَ محمودٍ، ولا يسمحُ لمشاعِرِهِ أنْ تسيطرَ على منطقِهِ؛ وعلى المحامي أنْ يعلمَ أنَّ الوقارَ في السلوكِ هو الوجهُ الآخرَ للمظهرِ، وهما معًا يصنعانِ الهيبةِ التي تليقُ برجلِ العدلِ.
التلازم بين المظهر والجوهر
ومن الجديرِ بالذكرِ قبلَ الختامِ أن نبيِّنَ أنَّ المظهرَ والجوهرَ في المحاماةِ توأمانِ لا ينفصلانِ، يكملُ أحدُهُمَا الآخرَ؛ فالجوهرُ يُعطي القيمةَ، والمظهرُ يُمهِّد لها السبيلَ. الجوهرُ يهبُ المحامي العلمَ والفكرَ والحجَّةَ، والمظهرُ يمنحُهُ الاحترامَ والمهابَةَ؛ فإذا اجتمعَ الاثنانِ اكتملتْ للمحامي أدواتُهُ، وارتقى برسالتِهِ، وأدَّى الأمانةَ التي أقسمَ أنْ يحملَهَا.
أما إذا تخلَّفَ أحدُهُمَا، فصارا منفصلين أو متضادينِ، فإنَّ صورةَ المحامي تهتزُ اهتزازًا كزلزالٍ لا يقيمُ لهُ وزنًا بينَ جماعاتِ الناسِ وأمامَ آحادِهمْ؛ فالعلمُ بلا وقارٍ قد يُلقى في آذانٍ أصمَّها أصحابُهَا عمدًا، والوقارُ بلا علمٍ لا يُغني عن ضعفِ الحجةِ ولا عن فراغِ العقلِ.
ومن هُنا، فإن على المحامي أن يوازنَ دائمًا بين العنايةِ بجوهرِهِ ومظهرِهِ معًا، فيُغذِّي العقلَ بالمعرفةِ، ويُهذّبَ النفسَ بالأخلاقِ، ويهتمَّ بمظهرِهِ بما يليقُ بالمهنةِ ورسالتِهَا.
وختامًا
ن قولُ إنَّ المحاماةَ ليستْ أزياءً تُرتدى ثم تُخلعُ، وليستْ كلماتٍ تُقالُ ثم تُنسى، وإنَّمَا هي عهدٌ معَ الضميرِ، وعقدٌ مع العدالةِ؛ والمظهرُ فيها ليسَ ترفًا شكليًّا، وإنَّمَا هو جزءٌ لا يتجزأُ من الرسالةِ، ووسيلةٌ من وسائلِ صونِ مكانتِهَا؛ فإذا جمعَ المحامي بينَ عمقِ الجوهرِ وسموِّ المظهرِ، كان رسولَ عدلٍ بحقٍ، وصوتَ حقٍ لا يعلوهُ صوتٌ.